هشام جعيط
363
نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "
شيء ؛ مع أنه يجب الكشف عن الدور الذي لعبه الرؤاسي . وعليه ، فإن الكسائي ، كسيبويه في البصرة ، دشّن سلسلة من النحويين كان من بينهم الفرّاء في مقابل الأخفش ، وثعلب في مقابل المبرّد . وهذان الأخيران اللذان توفيا حوالي العام 250 ه / 864 م ، كانا بمثابة محصّلة جمعت المعارف التي أنتجت قبلهما في كلتا المدرستين . إلا أن بغداد التي كانت قد استقبلت واحتضنت كبار المشاهير والأسماء في الكوفة والبصرة ، وعلى مدى جيلين ، بدأت تفرز معارف في كل الحقول والميادين المعرفية ، متمثلة ومتجاوزة للمعارف السابقة ، مقدمة للعالم الإسلامي ما أنتجته الكوفة والبصرة ، خلال القرنين السالفين . ما يعرف عن الكوفة على نطاق واسع ، هو مدرستها النحوية ودورها في ولادة التشيّع في الإسلام ؛ وربما كان ذلك ، بسبب ما امتازت به على نحو خاص ، في الحالة الأولى ، وبسبب ما عصمها من الموت والاندحار ، في الحالة الثانية . ولعلّ الاهتمام من جديد بالتاريخ السياسي والثقافي للإسلام القديم ، هو الذي أتاح المزيد من الاطلاع على الدور الذي لعبته الكوفة بوصفها مكانا لاستقرار الهجرات العربية ، وساحة للصراعات السياسية الكبرى ، ومدينة عربية محض ، أرست جنبا إلى جنب مع البصرة ، وعلى نحو جذري ، أسس المشروع الثقافي في الإسلام . بيبليوغرافيا المصادر الأكثر قدما في تاريخ الكوفة ، والتي كتبها الإخباريون في القرن الثاني / الثامن ، اختفت عن آخرها . غير أنه يوجد شذرات منها ، متفاوتة الأهمية ، في الكتب الكبرى المعروفة التي أخذت عنها معلوماتها . نذكر منها كتب الهيثم بن عدي ( خطط الكوفة ؛ ولاة الكوفة ؛ قضاة الكوفة والبصرة ؛ وفخر أهل الكوفة على البصرة ) ، وكتب عمر بن شبة البصري ( الكوفة ، أمراء الكوفة ) . الدراسات المونوغرافية الوافية التي وضعها أبو مخنف ، والتي استعادها الطبري بخاصة ، تخبرنا بالأحداث الأساسية ، كما تطلعنا ، بطريقة غير مباشرة على طوبوغرافيا الكوفة . ويوجد في برلين مخطوط ينسب إلى أبي مخنف ، تحت الرقم 9039 ويحمل الرمز Spr . 160 ، ضمن فهرست يحمل اسم AHLWARDT وهو بعنوان : خبر المختار وابن زياد . وعندما قمنا شخصيا بتفحصه ، بدا لنا أنه مزيّف . على أية حال ، ثمة دراسات مونوغرافية أخرى وضعت في أوقات